ما هي زراعة القرنية وكيف تُجرى؟
تُعد زراعة القرنية إجراءً جراحياً دقيقاً يتم خلاله استبدال قرنية المريض المتضررة أو المصابة بأنسجة قرنية سليمة مأخوذة من متبرع عبر بنك العيون المعتمد. تنقسم الجراحة إلى نوعين رئيسيين: استبدال كامل سماكة القرنية ويسمى رأب القرنية الاختراقي (Penetrating Keratoplasty – PKP)، أو استبدال الطبقات المتضررة فقط ويسمى رأب القرنية الصفيحي (Lamellar Keratoplasty). يؤدي إهمال أمراض القرنية إلى تشتت الضوء، وفقدان الشفافية، والضبابية الشديدة، والوهج البصري المعيق.
تُصنف أمراض القرنية كرابع سبب رئيسي للعمى التام عالمياً (بعد الساد، الجلوكوما، والتنكس البقعي)، وتصيب أكثر من عشرة ملايين مريض سنوياً. ومنذ عام 1961، يستعيد أكثر من مليون مريض حول العالم بصرهم سنوياً بفضل هذه الجراحة.
دواعي إجراء زراعة القرنية:
القرنية الشفافة والمنتظمة ضرورية لحدة الإبصار. يؤدي تضرر القرنية بالمرض أو الرضوض إلى تشوه شكلها، والألم المزمن، والالتهابات المتكررة.
ملاحظة: قد تُجرى الزراعة لعلاج مضاعفات داء الشَّعْرَة (Trichiasis)، حيث يؤدي انغلاف الجفون واحتكاك الرموش المستمر بسطح العين إلى تقرحات عميقة وفقدان البصر ما لم يُعالج.
يُوصى بالجراحة عند عجز العلاجات الدوائية والنظارات والعدسات اللاصقة عن تحسين الرؤية أو تسكين الألم. وتشمل أبرز الحالات المهددة لشفافية القرنية:
- ندبات القرنية الناتجة عن العدوى (مثل الهربس العيني أو التهاب القرنية الفطري)
- القرحات الشديدة الناتجة عن داء الشعرة
- اعتلالات بطانة القرنية الوراثية (مثل حثل فوكس – Fuchs’ Dystrophy)
- حالات القرنية المخروطية المتقدمة والحادة
- ترقق القرنية الشديد وتشوه تضاريسها
- مضاعفات نادرة ناجمة عن جراحات الليزر السابقة
- الحروق الكيميائية والإصابات الرضية الشديدة للعين
- الوذمة القرنية المزمنة غير القابلة للشفاء (Corneal Edema)
- رفض أو فشل رقعة قرنية سابقة
- تلف خلايا القرنية التالي لجراحات الماء الأبيض المعقدة
معايير الترشح للجراحة:
تستهدف الجراحة المرضى الذين يعانون من تدهور شديد في الرؤية أو آلام غير مستجيبة للعلاج التحفظي.
- مدة العملية: من ساعة إلى ساعتين
- النتائج: استعادة ملحوظة للقدرة البصرية الوظيفية
- فترة التعافي: من عدة أسابيع وتصل إلى عام كامل
- أسئلة هامة قبل اتخاذ قرار الجراحة:
- هل يعيق ضعف بصرك الحالي أداءك المهني ومهامك اليومية واستقلاليتك؟
- هل استُنفدت كافة الوسائل غير الجراحية (مثل العدسات الصلبة أو الصلبية المخصصة)؟
- هل تمت مراجعة التغطية التأمينية والمالية لكافة مراحل العلاج والمتابعة طويلة الأمد؟
- هل يتوفر لديك الاستعداد للحصول على إجازة ومتابعة طبية دقيقة تمتد من 6 أشهر إلى سنة؟
الإجراءات والبروتوكول الجراحي:
قبل الجراحة:
يُسجل المريض في قائمة الانتظار ببنك العيون (تتراوح فترة الانتظار بين أيام قليلة إلى عدة أسابيع). وتخضع كافة الأنسجة الممنوحة لفحوصات دقيقة للأمراض المعدية (كالتهاب الكبد الفيروسي والإيدز) وفق المعايير الصارمة لضمان سلامة المتلقي.
أثناء الجراحة:
تُجرى العملية تحت التخدير العام أو الموضعي بالحقن حول العين مع قطرات التخدير، مع استخدام مبعاد خاص لفتح الجفون.
- رأب القرنية الاختراقي (PKP – الزراعة الكاملة): يتم استئصال كامل سماكة الجزء المركزي المتضرر من القرنية بواسطة مشرط دائري دقيق (Trephine) أو الفمتوليزر، وتُثبت الرقعة المماثلة من المتبرع بغرز جراحية مجهرية دقيقة جداً تظل في مكانها لمدة عام أو أكثر. تُجرى الجراحة كإجراء يومي وتستغرق بين ساعة وساعتين.
- رأب القرنية البطاني (Endothelial Keratoplasty – مثل DSAEK وDMEK): تقنية حديثة ومتقدمة تقتصر على استبدال الطبقة الداخلية المتضررة (البطانة وغشاء ديسميه) مع الحفاظ على الأنسجة السطحية السليمة للقرنية. تُدخل الرقعة الرقيقة عبر شق جانبي دقيق وتُثبت بفقاعة هواء/غاز داخل الحجرة الأمامية دون الحاجة لغرز جراحية في سطح القرنية. وتوفر هذه الطريقة تعافياً بصرياً أسرع، وأماناً جراحياً أعلى، مع الحد الأدنى من الاستجماتيزم مقارنة بالزراعة الكاملة.
معايير الأنسجة المتبرع بها:
أثبتت الدراسات العلمية الموثوقة أن الأنسجة المأخوذة من متبرعين تتراوح أعمارهم بين 34 و71 عاماً تتمتع بحيوية ممتازة وتستمر بكفاءتها لمدة تزيد عن 10 سنوات بمعدل نجاح يتجاوز 75%، بينما تُخصص قرنيات المتبرعين الشباب لمن هم في فئات عمرية مماثلة.
التعافي والمتابعة بعد الجراحة:
يستغرق الالتئام التام عاماً أو أكثر. تكون الرؤية ضبابية في الأشهر الأولى، ويُحظر حمل الأوزان الثقيلة وممارسة المجهود العنيف في الأسابيع الأولى. يلتزم المريض بقطرات الكورتيزون الموضعية لعدة أشهر لتثبيط المناعة ومنع الرفض، بجانب قطرات المضادات الحيوية وواقي العين البلاستيكي أثناء النوم. تتم إزالة الغرز تدريجياً بين الشهر الـ 3 والشهر الـ 18 حسب تقدم الالتئام والاستجماتيزم.
رفض القرنية المزروعة:
تُعد زراعة القرنية من أنجح عمليات زراعة الأعضاء في جسم الإنسان. وفي حال الكشف المبكر عن علامات الرفض المناعي، يمكن السيطرة عليه بنجاح في 90% من الحالات (9 من كل 10 مرضى). تتراوح نسبة الرفض بين 5% و30% نتيجة تعرف الجهاز المناعي على الرقعة كجسم غريب. وترتفع النسبة في حالات الجلوكوما السابقة أو الالتهابات النشطة.
علامات الرفض المبكرة التي تستدعي الفحص الطارئ:
- احمرار العين المفاجئ
- الحساسية الشديدة للضوء (Photophobia)
- تراجع مفاجئ في حدة الإبصار
- ألم في العين
الرؤية بعد الزراعة:
نظراً لاختلاف درجة انحناء قرنية المتبرع عن عين المتلقي، يُعد ظهور درجات من قصر النظر أو الاستجماتيزم أمراً شائعاً. ويتم تصحيح الرؤية بنجاح باستخدام النظارات الطبية، أو العدسات اللاصقة الصلبة المنفذة للغازات (RGP)، أو العدسات الهجينة والصلبية بعد استقرار الجرح. كما يمكن اللجوء لعمليات التصحيح بالليزر (مثل PRK أو الليزك) بعد إزالة كافة الغرز الجراحية والتئام القرنية تماماً.
